انتخابات المغرب تقلب موازين الحلفاء.. “البام” و”الأحرار” أمام اختبار جديد

بعد أسابيع من التراشق السياسي والاتهامات المتبادلة خلال الحملة الانتخابية، يجد حزبا “الأصالة والمعاصرة” و”التجمع الوطني للأحرار” نفسيهما أمام اختبار جديد عنوانه إمكانية العودة إلى العمل الحكومي المشترك، لكن هذه المرة في ظل موازين قوة مختلفة أفرزتها انتخابات 23 أيلول/سبتمبر.

وأظهرت النتائج المؤقتة الرسمية التي أعلنها وزير الداخلية المغربي عبد الوافي لفتيت فجر الخميس تصدر حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعداً، فيما حل حزب العدالة والتنمية رابعاً بـ54 مقعداً. وبلغت نسبة المشاركة 38.08 بالمئة.

وتمنح هذه الأرقام الأحزاب الثلاثة التي شكلت الأغلبية الحكومية المنتهية ولايتها، وهي “الأحرار” و”الأصالة والمعاصرة” و”الاستقلال”، ما مجموعه 228 مقعداً من أصل 395، أي أكثر من الأغلبية المطلقة المطلوبة داخل مجلس النواب، وهو ما يجعل إعادة تركيب ائتلاف حكومي من مكوناتها الثلاثة احتمالاً مطروحاً بقوة في المشاورات المقبلة، وإن كانت النتائج وحدها لا تحسم شكل التحالف النهائي.

من حلفاء الحكومة إلى خصوم الحملة

وكان الحزبان اللذان قد يتحالفا مجددا لتشكيل الحكومة، إلى وقت قريب، في قلب واحدة من أكثر المواجهات الانتخابية حدة داخل الأغلبية نفسها.

ففي الأسابيع التي سبقت الاقتراع، اتهم التجمع الوطني للأحرار حليفه في الحكومة باستمالة برلمانيين ومنتخبين وقيادات محلية، متحدثاً عن ضغوط وترغيب وترهيب، واعتبر أن الأمر تجاوز حدود التنافس السياسي الطبيعي.

ورد “الأصالة والمعاصرة” (البام) برفض هذه الاتهامات، مؤكداً أن الانتقال إلى صفوفه يتم على أساس حرية الاختيار، ومذكراً بأن “الأحرار” نفسه كان قد استقطب، قبل انتخابات 2021، عدداً من البرلمانيين الذين كانوا ينتمون إلى أحزاب أخرى، بينهم برلمانيون سابقون في “الأصالة والمعاصرة”.

ولم يقتصر الخلاف على البيانات الحزبية، بل امتد إلى مواقف قيادية بشأن مستقبل التحالف. فقد نقلت وسائل إعلام مغربية عن فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة القيادة الجماعية لـ “البام”، أنها لا تميل شخصياً إلى تجديد التحالف مع “الأحرار” إذا تصدر الانتخابات، مع تأكيدها أن القرار النهائي بشأن التحالفات يعود إلى أجهزة الحزب.

وفي المقابل، كان عزيز أخنوش زعيم “الأحرار”  قد تجنب، خلال الحملة، وضع خطوط حمراء مسبقة أمام التحالفات، مؤكداً أن نتائج صناديق الاقتراع ينبغي أن تسبق الحديث عن شكل الأغلبية المقبلة.

نتائج تقلب موازين العلاقة

غير أن صناديق الاقتراع أعادت ترتيب العلاقة بين الطرفين. ففي انتخابات 2021، تصدر “الأحرار” المشهد، وحصل على المرتبة الأولى التي مهدت لتكليف عزيز أخنوش بتشكيل الحكومة، قبل أن يدخل في ائتلاف مع “الأصالة والمعاصرة” و”الاستقلال”.

أما في انتخابات 2026، فقد انتقلت الصدارة إلى “البام” بفارق 31 مقعداً عن “الأحرار”. وبموجب الفصل 47 من الدستور المغربي، يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها.

وهذا يعني أن أي نقاش حول تحالف جديد بين الحزبين لن يكون مجرد استعادة لصيغة الحكومة السابقة؛ فالمعادلة السياسية تغيرت، وأصبح “البام” هو الحزب المتصدر، فيما انتقل “الأحرار” إلى المرتبة الثانية.

ومن ثم، فإن أحد أبرز الملفات التي ستطرح على طاولة المشاورات سيكون متعلقاً بطبيعة توزيع المسؤوليات داخل الأغلبية الجديدة، وبالأخص موقع رئاسة الحكومة، وتوزيع الحقائب الوزارية، وشكل التنسيق بين الأحزاب الثلاثة.

هل تكفي الحسابات الرقمية لتجاوز الخلاف؟

من الناحية العددية، تبدو المعادلة واضحة: «البام» و«الأحرار» معاً يملكان 163 مقعداً، أي أقل من 198 مقعداً المطلوبة لضمان الأغلبية المطلقة في مجلس النواب. أما بإضافة حزب الاستقلال، فإن مجموع الأحزاب الثلاثة يصل إلى 228 مقعداً.

وهذا يجعل “الاستقلال” عنصراً مهماً في أي إعادة بناء للتحالف السابق، ما لم تتجه المشاورات إلى صيغة أخرى تضم أحزاباً إضافية.

لكن الحسابات العددية لا تحدد وحدها معادلة الحكومة القادمة. فالتحالف الحكومي السابق كشف، خصوصاً في أشهره الأخيرة، عن تباينات داخل مكوناته بشأن عدد من الملفات، قبل أن تتحول المنافسة الانتخابية بين “الأحرار” و”البام” إلى مواجهة علنية حول استقطاب المنتخبين والمرشحين.

ويطرح ذلك سؤالاً عملياً أمام الحزبين: هل كانت المواجهة جزءاً من منطق الانتخابات، وتنتهي بانتهاء الحملة وإعلان النتائج، أم أنها كشفت عن خلافات أعمق يمكن أن تعيق حكومة جديدة؟

حكومة واحدة بعد خطاب انتخابي متوتر

سيكون رهان المرحلة المقبلة على قدرة القيادات الحزبية على الفصل بين منطق التنافس الانتخابي ومنطق التدبير الحكومي. فالحملات الانتخابية تقوم بطبيعتها على إبراز الفوارق بين الأحزاب ومساءلة الخصوم عن حصيلتهم، بينما تتطلب الحكومة الائتلافية قدراً أعلى من التنسيق والقدرة على صياغة برنامج مشترك وتوزيع المسؤوليات.
وعلى الرغم من حدة التنافس أثناء الحملة الانتخابية، إلا أن العودة إلى التحالف قد تكون ممكنة، وهي إن حدثت، فلن تكون سابقة في الحياة السياسية المغربية؛ إذ سبق للأحزاب أن خاضت تنافساً حاداً خلال الانتخابات ثم عادت إلى طاولة المفاوضات عندما فرضت نتائج الاقتراع منطق بناء الأغلبية.

“البام” أمام مسؤولية قيادة المشاورات

ويضع تصدر “الأصالة والمعاصرة” للانتخابات الحزب أمام مسؤولية سياسية ودستورية مختلفة عن موقعه في الحكومة السابقة. فالفصل 47 يجعل الحزب المتصدر نقطة الانطلاق في تشكيل الحكومة، فيما يحدد الفصل 88 مسار تنصيبها أمام مجلس النواب. وبذلك تبدأ بعد إعلان النتائج مرحلة جديدة عنوانها تشكيل الأغلبية القادرة على توفير الدعم البرلماني للحكومة وبرنامجها.

وفي هذا السياق، سيكون على “البام” أن يتعامل مع شركائه المحتملين من موقع الحزب الأول، بينما سيكون على “الأحرار” أن يقرر موقعه في الأغلبية المقبلة وشروط مشاركته فيها.

كما أن حزب الاستقلال، الذي احتل المرتبة الثالثة بـ65 مقعداً، يمتلك وزناً برلمانياً يجعل حضوره مهماً في أي صيغة تضم الحزبين المتصدرين.

وهكذا، قد تكون انتخابات 23 أيلول / سبتمبر قد أنهت معركة الصناديق بين “البام” و”الأحرار”، لكنها فتحت في المقابل معركة التفاوض حول شكل الحكومة المقبلة.

انتخابات المغرب تقلب موازين الحلفاء.. “البام” و”الأحرار” أمام اختبار جديد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button