موريتانيا بين السلطة السنغالية الجديدة ومقتضيات التوازن الدبلوماسي

تجد موريتانيا نفسها اليوم في وضع دبلوماسي بالغ الحساسية في ظل التحولات العميقة التي يشهدها المشهد السياسي السنغالي. فبين السلطات الجديدة المنبثقة عن حزب «باستيف» ومتطلبات التعاون الثنائي مع الدولة السنغالية، تبدو نواكشوط حريصة على توجيه رسائل انفتاح إلى مختلف مراكز النفوذ والقرار في داكار. وهو ما يعكس رغبة موريتانيا في حماية مصالحها الاستراتيجية وتجنب أي مظهر من مظاهر الانحياز.
وقد تجسدت هذه المقاربة مؤخراً من خلال مشاركة وفد من الحزب الحاكم في موريتانيا في أشغال مؤتمر حزب «باستيف»، الذي يقوده عثمان سونكو، رئيس الحزب وأحد أبرز رموز الأغلبية الجديدة في السنغال. وتعكس هذه المشاركة اللافتة اهتمام نواكشوط بالتطورات التي يشهدها هذا التيار السياسي الذي أصبح يهيمن على الساحة السنغالية وأعاد رسم التوازنات التقليدية في البلاد.
وفي الوقت ذاته، واصلت السلطات الموريتانية اتصالاتها الرسمية مع رئيس الدولة السنغالية. ويأتي سفر وزير الشؤون الخارجية الموريتاني حاملاً رسالة تعاون موجهة إلى الرئيس باسيرو ديوماي فاي في إطار هذا النهج القائم على استمرارية العلاقات الدبلوماسية. فبعيداً عن الرمزية السياسية، يسعى البلدان إلى تعزيز علاقاتهما الثنائية في مجالات حيوية تشمل الأمن، والصيد البحري، والطاقة، وإدارة تدفقات الهجرة.
غير أن هذه المقاربة المزدوجة تضع موريتانيا في موقع يتطلب قدراً كبيراً من التوازن والحذر. فمن خلال إظهار اهتمامها بأنشطة حزب «باستيف» بالتوازي مع التزامها بالتعامل مع المؤسسات الرسمية السنغالية، تسعى نواكشوط إلى الحفاظ على قنوات تواصل سلسة مع مختلف مراكز القرار في البلد الجار. وهي مقاربة براغماتية قد تُفسَّر في المقابل على أنها محاولة للتوفيق بين حساسيات سياسية متعددة في سياق لا تزال تلقي عليه الأزمة السنغالية الأخيرة بظلالها.
ويزداد هذا المشهد مفارقة إذا ما أخذنا في الاعتبار أن أبرز شخصيتين في السلطة السنغالية الجديدة أولتا موريتانيا اهتماماً خاصاً منذ توليهما المسؤولية. فخلال الفترة الأولى التي أعقبت وصولهما إلى الحكم، خصّ كل من الرئيس باسيرو ديوماي فاي ورئيس الوزراء السابق عثمان سونكو موريتانيا بمكانة متميزة ضمن أجندتهما الدبلوماسية الإقليمية، حيث كانت نواكشوط من بين الوجهات الأولى التي اختاراها. وقد اعتُبر هذا التوجه آنذاك مؤشراً قوياً على متانة العلاقات بين البلدين ورغبتهما المشتركة في تعزيز التعاون الثنائي.
واليوم، تمثل هذه العلاقة الوثيقة في الوقت نفسه فرصة ومصدر حذر للدبلوماسية الموريتانية. ففي مواجهة التوازنات الداخلية في السنغال وتعدد الفاعلين المشاركين في إدارة السلطة، تبدو نواكشوط متمسكة بنهج يقوم على التوازن والحوار وحماية المصالح المشتركة. وهي استراتيجية قد تبدو أحياناً غير مريحة، لكنها تعكس في جوهرها الأهمية الاستراتيجية التي يمثلها السنغال بالنسبة لموريتانيا، والحاجة إلى الحفاظ على علاقات متينة مع مختلف الفاعلين السياسيين في هذا البلد الجار.
ج. د