المؤتمر الصحفي للرئيس: لا تطرق للحوار و لا لوضع الرئيس الأسبق و لا حتي لزوبعة نواب “إيرا”

 كان التحدي طموحًا: إرساء تجربة غير مسبوقة للحوار المباشر بين رئيس الجمهورية والصحافة الوطنية. وعلى مستوى الشكل، يمكن القول إنالتجربة نجحت إلى حد كبير، أما من حيث المضمون، فقد تركت شعورًا بعدم الاكتمال.

فمن خلال اختياره للصحفيين الذين سيتدخلون، علي لائحة خاصة، مهّد المدير العام للوكالة الموريتانية للأنباء، تقي الله لَدْهَم، الطريق إلى حد بعيد. كما أضيف إلى ذلك قاعدةبسيطة لكنها بالغة الفعالية: سؤال واحد فقط لكل صحفي، وهو ما حال دون طرح أسئلة متابعة، واستبعد، قبل كل شيء، عددًا من أكثر الملفات سخونة في الساحة الوطنية.

وهكذا، لم يتم التطرق إلى آخر تطورات الحوار السياسي، رغم أن الرئيس كان قد تسلم صيغته الجديدة قبلساعات قليلة من المؤتمر. كما لم تُطرح أسئلة حول الوضع الصحي والإنساني للرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، ولا بشأن الارتفاع الكبير في أسعار المواد الأساسية، ولا حول الملف القضائي المتعلق بنواب حركة «إيرا». وهي كلها ملفات تحظى باهتمام واسع لدى الرأي العام.

ومع ذلك، لم يخلُ المؤتمر الصحفي من الأهمية. فعلى مدى ثلاث ساعات ونصف، خاض الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تجربة لم يُعرف عن أي من أسلافه أنهم جعلوها تقليدًا مؤسساتيًا…دون صخب.

وكان الرئيس، في كثير من الأحيان، دقيقًا في إجاباته، وأحيانًا ذا طابع توضيحي وتعليمي. وقد أجاب بهدوء عن أسئلة اتسم بعضها بالحدة، مبرزًا إلمامًا واسعًا بعديد الملفات، ورباطة جأش لافتة، وسرعة بديهة في الرد لم تكن شائعة عنه بهذا الوضوح من قبل.

وفي مستهل كلمته، برر رئيس الجمهورية تنظيم هذا اللقاءبرغبته في «تنوير الرأي العام» وضمان حق المواطنين في الحصول على المعلومات. وقدم هذا الحوار باعتباره تمرينًا في الشفافية وموعدًا يُراد له أن يصبح تقليدًا دائمًا.

كما استغل الرئيس المناسبة لتوجيه رسالة سياسيةواضحة، أكد فيها أن ثقته في الوزير الأول، المختارولد أجاي، لا تزال راسخة، رغم الانتقادات التي وُجهت إليه خلال الأشهر الماضية في بعض الأوساط السياسية وعلى شبكات التواصل الاجتماعي. وجددكذلك دعمه لعمل الحكومة، شريطة أن يُمارس «وفق الأصول والقواعد». لكنه لم يستبعد في الوقت نفسه مساءلة المسؤولين ومحاسبتهم عن تسييرهم.

الخيط الناظم للعهدتين

وضع محمد ولد الشيخ الغزواني عمله في إطارالاستمرارية بين مأموريتيه الرئاسيتين. فبحسب رأيه، يشكل برنامج «تعهداتي» الذي أُطلق سنة 2019، وبرنامج «طموحي للوطن» الذي دُشن مع بداية مأموريته الثانية، ركيزتين لمشروع مجتمعي واحد يهدف إلى إحداث تحول دائم في موريتانيا.

ويرى الرئيس أن تحقيق جزء مهم من هذا الطموح من شأنه أن يمنح البلاد دفعة قوية نحو الإقلاع. ويؤمن إيمانًا راسخًا بأن الإنجاز الكامل لهذا المشروع سيمثل محطة حاسمة في التنمية السياسية والاقتصاديةوالاجتماعية للبلاد، ويعزز مكانتها بين الدول الحديثة. وقال: «هذا هو الإرث الوحيد الذي أتمنى أن أراه يتحقق».

ومع ذلك، أقر الرئيس بأن هذا المشروع لا يزال يواجه تحديات كبرى، من بينها تحسين الحوكمة السياسية، وتعزيز الوحدة الوطنية، ومحاربة الفقر والإقصاء، وبناء اقتصاد أكثر صلابة في مواجهة الأزمات الدولية.

وعلى الصعيد الأمني، ذكّر بأن تدهور الأوضاع في المحيط الإقليمي يفرض يقظة دائمة، وأن السلطات تواصل التعامل مع التهديدات العابرة للحدود باعتبارها أولوية قصوى.

وأكد رئيس الدولة على فكرة يعتبرها جوهرية، وهي أن المواطن الموريتاني هو في الوقت نفسه غايةجميع السياسات العمومية ومستفيدها الأول. وقال إن الاستثمارات التي تُنفذ لا معنى لها ما لم تُفضِ إلى تحسين دائم في ظروف عيش المواطنين.

وأوضح أن طموحه يتمثل في بناء دولة قوية وفعالة وقابلة للاستمرار، قادرة على توفير شروط ازدهار دائم.

كما عاد الرئيس إلى عدد من الأحداث الدوليةالتي قال إنها أثرت بشكل كبير في مأموريته الأولى.

وأشار إلى جائحة كوفيد-19 التي قلبت موازين الاقتصاد العالمي، وأجبرت حكومته على تركيز جهودها علي توفير اللقاحات والأدوية، وتنظيم حملات توعية للحد من الآثار الصحية والاقتصادية والاجتماعية للأزمة.

وأضاف إلى ذلك تداعيات الحرب في أوكرانيا، ثم التوترات المستمرة في الشرق الأوسط، والتي لا تزال، بحسب قوله، تؤثر في سلاسل الإمدادات العالمية وتغذي الضغوط التضخمية، في وقت أصبحت فيه مظاهر التضامن الدولي أكثر هشاشة.

الغائبون عن النقاش

بعد انتهاء عرضه، منح رئيس الجمهورية الكلمة للصحفيين الذين وقع عليهم الاختيار لطرح اسئلتهم.

ورغم أن عدداً من المداخلات تناول قضايا حساسة، فإن أبرز الأسئلة المطروحة في الساحة الوطنيةبقيت خارج دائرة النقاش. فلم يُطرح أي سآل بشأن الحوار السياسي، رغم أنه يتصدر المشهد، كما لم يتم التطرق إلى وضع الرئيس الأسبق المسجون محمد ولد عبد العزيز، ولا إلى استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة، ولا إلى الجدل القانوني المحيط بنواب حركة «إيرا».

وتثير هذه الملفات الغائبة التساؤلات، بالنظر إلى أنها تمثل أبرز اهتمامات الرأي العام في الوقت الراهن.

تجربة مقنعة رغم حدودها

في بعض اللحظات، واجه محمد ولد الشيخ الغزواني أسئلة مباشرة، لكنه رد عليها بهدوء لافت ومعرفة عميقة بعدد من الملفات المعقدة. ومن دون أن يرفع نبرة صوته، حافظ علي أسلوبه مهذب ومتزن، منسجم مع الصورة التي عُرف بها.

ويبقى التساؤل مطروحًا حول الصيغة التي اعتُمدت لتنظيم المؤتمر. فقد حضر عشرات الصحفيين، لكن عددًا محدودًا منهم فقط أتيحت له فرصة طرح الأسئلة، وهو مامنح هذا المؤتمر الصحفي الأول طابعًا غير مسبوق، لكنه كان في الوقت نفسه منظمًا ومحكومًا بضوابط دقيقة.

ولا شك أن هذه التجربة تمثل خطوة متقدمة في مجال التواصل الرئاسي، غير أنها ستكون أكثر مصداقية وأوسع أثرًا ديمقراطيًا إذا أتاحت، في نسخها المقبلة، مساحة أكبر للأسئلة التي تعكس بالفعل القضايا المطروحة في النقاش العام…وعدد لا يتجاوز ٥ او ٦ صحفي لإثراء النقاش. لنا عود الي الموضوع

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button