الوضع الاقتصادي لعام 2025: تقرير البنك المركزي الموريتاني يثير انتقادات بسبب تناقضاته

أثار التقرير السنوي لعام 2025 الصادر عن البنك المركزي الموريتاني، والذي يُفترض أن يقدم صورة دقيقة عن واقع الاقتصاد الوطني، تحفظات جدية أثارها الأستاذ مصطفى ولد إعلي. فقد أبرز تحليله وجود تناقضات إحصائية تتجاوز مجرد الأخطاء المادية، لتطرح تساؤلات أعمق حول جودة عملية تدقيق واعتماد البيانات الاقتصادية الرسمية.
وبصفته متخصصًا في المجال، تناول الأستاذ مصطفى ولد إعلي التقرير بتحليل دقيق، كاشفًا عن ثغرات ظلت حتى الآن بعيدة عن الأنظار، ربما لأنها كانت مدفونة وسط الطابع الفني المعقد للتقارير الاقتصادية. فقد أشار إلى وجود تناقضات في البيانات المتعلقة بالدين الخارجي، والإيرادات العامة، وغياب مؤشر موحد للدين العام، إلى جانب نواقص منهجية أخرى تُضعف من موثوقية وثيقة يُفترض أن تكون مرجعًا للسلطات العمومية والمستثمرين والشركاء الفنيين والماليين. ذلك أن مصداقية أي بنك مركزي لا تقوم فقط على جودة قراراته، بل أيضًا على دقة البيانات التي ينشرها واتساقها وموثوقيتها.
تناقض جوهري بشأن الدين الخارجي
أولى الملاحظات تتعلق بتطور الدين الخارجي، وهو مؤشر أساسي لتقييم استدامة المالية العامة.
ففي رسالة محافظ البنك، التي تمثل الملخص التنفيذي للتقرير، يؤكد البنك المركزي أن الدين الخارجي انخفض من 4.27 مليارات دولار عام 2024 إلى 4.06 مليارات دولار عام 2025، أي بنسبة 4.97%، مما أدى إلى تراجع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 33.58%.
غير أن الفصل الفني المخصص للمالية العامة يعرض صورة مختلفة تمامًا؛ إذ تُظهر الجداول التفصيلية ارتفاعًا مستمرًا في رصيد الدين، حيث بلغ 4.272 مليارات دولار في عام 2025 مقابل 4.237 مليارات دولار في عام 2024، أي بزيادة تقارب 1%، مع نسبة دين إلى الناتج المحلي الإجمالي تبلغ 37%.
هاتان الروايتان لا يمكن التوفيق بينهما. وبالنظر إلى أن الجداول الفنية المفصلة، المصنفة حسب الدائنين، تبدو أكثر متانة من الناحية المنهجية من الملخص التنفيذي، فإن تحليل الأستاذ مصطفى ولد إيلي يبين أن التناقض لا يتعلق بفروق ناتجة عن التقريب الإحصائي، بل يمس الاتجاه الحقيقي لتطور المديونية.
الإيرادات العامة: تناقض ثانٍ مهم
التناقض الثاني يتعلق بالإيرادات العامة.
فالملخص التنفيذي يشير إلى إيرادات تبلغ 105.8 مليارات أوقية، بينما يعتمد الفصل الفني رقمًا قدره 110.9 مليارات أوقية، أي بفارق يتجاوز خمسة مليارات أوقية.
ويمكن التحقق من ذلك بسهولة.
فبما أن النفقات العامة متطابقة في كلا الجزأين من التقرير، حيث تبلغ 112.4 مليار أوقية، فإن حجم العجز المالي يعتمد مباشرة على مستوى الإيرادات. فإذا كانت الإيرادات 105.8 مليارات أوقية فإن العجز يبلغ نحو 6.6 مليارات أوقية، أما إذا بلغت 110.9 مليارات أوقية فإن العجز ينخفض إلى حوالي 1.5 مليار أوقية.
غير أن البنك المركزي نفسه يعلن عن عجز يقارب 1.4 مليار أوقية، وهو ما لا يتوافق إلا مع الأرقام الواردة في الفصل الفني، مما يعزز فرضية أن الملخص التنفيذي يتضمن بيانات قديمة أو لم يتم تحديثها.
ويستند الأستاذ مصطفى ولد إيلي أيضًا إلى الإحصاءات الدولية، إذ يقدر البنك الدولي العجز المالي في موريتانيا لعام 2025 بحوالي 0.3% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو تقدير يتوافق مع بيانات الفصل الفني للبنك المركزي، وليس مع الأرقام الواردة في رسالة المحافظ.
ويشكل هذا التطابق عنصرًا مهمًا للتحقق الخارجي، يعزز مصداقية الجداول الفنية ويضعف الثقة في الملخص التنفيذي.
غياب مؤشر موحد للدين العام
ومن أبرز الانتقادات التي وجهها الأستاذ مصطفى ولد إيلي غياب مؤشر يُعد من أهم مؤشرات المالية العامة، وهو نسبة الدين العام الإجمالي الموحد.
فالتقرير يعرض الدين الخارجي والدين الداخلي كلًّا على حدة، لكنه لا يقدم أبدًا رقمًا موحدًا يجمعهما، وهو ما يحد بشكل كبير من إمكانية تقييم المخاطر المالية بصورة شاملة.
ومع ذلك، فإن التقرير نفسه يُظهر أن إصدارات أذون وسندات الخزينة ارتفعت بنحو 78% خلال عام واحد فقط.
وبإعادة تجميع البيانات المتاحة، يقدر الأستاذ مصطفى ولد إيلي أن الدين العام الموحد يتراوح بين 40% و43% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو تقدير قريب جدًا من نسبة 42.6% التي نشرها البنك الدولي.
ويحرم هذا الغياب صناع القرار والمستثمرين من مؤشر أساسي لتقييم استدامة المالية العامة.
تقرير ذو جودة… ولكن
لا يشكك التحليل في جودة التقرير برمته.
فعلى العكس، يرى الأستاذ مصطفى ولد إيلي أن التقرير يتضمن عناصر إيجابية تعكس جهودًا في مجال الشفافية، خاصة فيما يتعلق بالقوائم المالية للبنك المركزي نفسه، والصعوبات التي تواجه بعض البنوك التجارية في الالتزام بالمعايير الاحترازية، فضلًا عن المخاطر الناجمة عن تركّز الصادرات في ثلاثة منتجات رئيسية هي الذهب والحديد والأسماك.
غير أن هذه الشفافية تبقى غير مكتملة.
وأخيرًا، فإن قرار رفع سعر الفائدة الرئيسي، الذي اتُخذ لمواجهة عودة الضغوط التضخمية، ورد فقط في رسالة المحافظ، ولم يُدمج في الفصل المخصص للسياسة النقدية.
وإذا كانت هذه التناقضات تبدو أقرب إلى قصور في حوكمة البيانات الإحصائية منها إلى رغبة في تضليل الرأي العام، فإنها تذكر مع ذلك بالثغرات التي قد تهز الجهود المبذولة خلال السنوات الأخيرة لتعزيز سمعة البنك المركزي الموريتاني.
ومن شأن البنك المركزي أن يكسب مزيدًا من المصداقية إذا قدم توضيحات بشأن أوجه القصور الواردة في تقريره، بما يسهم في إزالة الغموض المحيط بهذه النقاط.
إذا رغبت، يمكنني أيضًا إعداد ترجمة بصياغة صحفية عربية أكثر سلاسة، مناسبة للنشر في الصحف أو المواقع الإخبارية.
رتجمة