من الإشادة إلى تهديدات بالقتل.. «نازا» يشعل معركة سياسية فى إسرائيل

رغم الإشادة الواسعة التى حظى بها الفيلم الوثائقى «نازا»، خلال عرضه فى مهرجان «فينيسيا» السينمائى، حيث وقف الجمهور نحو 25 دقيقة لتحية مخرجيه، انتقل العمل سريعاً من قاعات السينما إلى قلب المعركة السياسية فى إسرائيل، بعدما واجه مخرجا الفيلم، يوڤال إبراهام، وراشيل زور، حملة شرسة من اليمين المتطرف فى حكومة الاحتلال، وصلت إلى اتهامهما بـ«الخيانة»، والدعوة إلى منعهما من العودة إلى البلاد، بل وتهديدهما بالقتل.

رئيس الوزراء الإسرائيلى يهدد بسحب الجنسية من منتقدى جيش الاحتلال

رصدت «الجارديان» رد الفعل الإسرائيلى تجاه الفيلم، الذى أنتجته الصحيفة، رغم أنه لم يتم بثه على نطاق واسع، لتكشف أجواء سياسية شديدة التوتر قبيل انتخابات أكتوبر المقبل، فى وقت تتراجع فيه مساحة الأصوات المنتقدة للحرب على غزة. وفيما لوّح رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، بتشريعات تستهدف من يتهمهم بـ«تشويه» سمعة الجيش والجنود الإسرائيليين، حذرت جهات حقوقية وصحفية من أن التهديدات ضد مخرجى الفيلم أصبحت مصدر خطر حقيقى، معتبرة أن الحملة تجاوزت تقييم العمل الفنى، إلى توظيفه سياسياً، فى مواجهة منتقدى الحكومة والمؤسسة العسكرية.

بدأت قصة «نازا» فى مهرجان فينيسيا بمشهد لافت، فبعد عرض استمر 80 دقيقة فى قاعة «سالا جراندى»، وقف الجمهور تقريباً فى لحظة واحدة، لتحية مخرجى الفيلم لمدة 25 دقيقة، فى مشهد يعكس حجم التأثير الذى أحدثه العمل لدى المشاهدين، الذين تمكنوا من رؤيته. يتناول الفيلم الحرب فى غزة، من خلال شهادات 24 شخصاً من داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، بينهم ضباط استخبارات وجنود، جرى إخفاء هوياتهم. ويحمل عنوان «نازا»، وهو اختصار لعبارة عسكرية إسرائيلية تستخدم للإشارة إلى عدد المدنيين المتوقع مقتلهم خلال هجوم عسكرى.

تدور أحداث الفيلم على خلفية ليلية لمدينة تل أبيب، بينما يتحدث المشاركون عن منظومات يستخدمها جيش الاحتلال لاختيار أهداف القصف، بينها أنظمة تعتمد على الذكاء الاصطناعى، وتحدد أشخاصاً يفترض استهدافهم فى غارات جوية، فى بعض الحالات أثناء وجودهم داخل منازلهم، وبين أفراد أسرهم.

وبحسب «الجارديان»، فإن إحدى أكثر النقاط حساسية فى الفيلم، بالنسبة إلى النخبة السياسية فى إسرائيل، تتمثل فى أن الرواية تُقدم بالكامل باللغة العبرية، وعلى لسان إسرائيليين خدموا فى الجيش، بينهم أفراد من وحدات نخبوية. وتتنوع مواقف المشاركين بين من يقولون إن تجاربهم تركت لديهم شعوراً بالعار، وآخرين يتحدثون بنبرة أكثر حياداً، بينما يصف بعضهم مشاعر تجاه العمليات العسكرية وصلت، وفق شهاداتهم، إلى الإحساس بالإثارة أو «المتعة» أثناء تنفيذها أو تبريرها.

ومن المقرر أن يبدأ عرض الفيلم فى دور السينما الأمريكية اعتباراً من 30 سبتمبر الجارى، مع الإعلان لاحقاً عن خطط توزيعه دولياً. لكن بينما اتسعت أصداء الإشادة التى حظى بها العمل فى فينيسيا، جاءت الاستجابة داخل إسرائيل مختلفة بصورة حادة. فقد سارع سياسيون من اليمين المتطرف إلى اتهام المخرجين الإسرائيليين «إبراهام» و«زور» بـ«الخيانة»، فيما صعّد «نتنياهو» من حملته ضد منتقدى الجيش، معلناً أنه سيسعى إلى سن قوانين تسمح بسحب الجنسية من أشخاص يتهمهم بـ«تشويه سمعة» الجنود الإسرائيليين فى الخارج.

ولم تتوقف الحملة عند حدود التصريحات السياسية، إذ شارك متظاهرون وأعضاء فى جماعات يمينية متطرفة فى احتجاجات، تضمنت الدعوة إلى اتخاذ إجراءات عنيفة ضد المخرجين، وهدم منزليهما. وخلال احتجاج أمام منزل والدى «راشيل زور» فى وسط إسرائيل، ردد متظاهرون دعوات إلى «عقوبة الإعدام للخونة». وفى تقرير لها، حذرت صحيفة «هآرتس» من أن التهديدات الموجهة إلى المخرجين، باتت تمثل خطراً حقيقياً على حياتهما، فيما أعلنت عشرات منظمات حقوق الإنسان والسلام فى إسرائيل تضامنها معهما، إلى جانب منظمات دولية مدافعة عن حرية الصحافة.

وترى «الجارديان» أن سرعة وشدة الهجوم على الفيلم فاجأت حتى قطاعات من اليسار الإسرائيلى والحركة الحقوقية، رغم اعتيادها على حملات مماثلة. وتعتبر الصحيفة البريطانية أن الهجوم يعكس، فى الوقت نفسه، التأثير السياسى، الذى اكتسبه الفيلم، والكيفية التى يسعى بها اليمين إلى تشكيل صورة مسبقة عنه، رغم أن معظم الإسرائيليين لم يشاهدوه بعد.

وفى تجمع انتخابى بمدينة «ريشون لتسيون»، قال أوفير وينتر، وهو ضابط سابق تحول إلى العمل السياسى، إن إسرائيلياً يهودياً يحصل على «تصفيق مدوٍ» عندما يخرج إلى العالم لانتقاد بلاده، فيما وجّه إلى المخرجين انتقادات حادة، معتبراً أنهما لا يملكان ما يعودان إليه فى إسرائيل. أما الصحفى اليمينى يهودا شليزنجر، عبر «القناة 14» المقربة من «نتنياهو»، فذهب إلى أبعد من ذلك، داعياً إلى «ملاحقة» المخرجين، و«اصطيادهما»، ومنعهما من العودة إلى إسرائيل، واصفاً التصفيق الذى حظى به الفيلم فى «فينيسيا» بأنه «25 دقيقة من التصفيق المعادى للسامية».

وبينما أعلن «نتنياهو» اعتزامه الدفع بمقترحات تشريعية لمواجهة ما وصفه بـ«تشويه سمعة» الجنود والدولة، متوعداً بسحب الجنسية ممن يهاجمون جنود جيش الاحتلال فى الخارج، مشيراً إلى إمكانية فرض عقوبات مالية عليهم، تؤكد «الجارديان» أن بعض التهديدات لم تبقَ فى إطار الخطاب السياسى، إذ أعلن الصحفى هاجاى ماتار، مدير مجلة «972+» المستقلة، أن مكاتب المجلة تعرضت للاقتحام من جانب ناشطين يمينيين، قاموا أيضاً بتصوير عملية الاقتحام.

وترى داليا شيندلين، الباحثة الإسرائيلية المتخصصة فى السياسة واستطلاعات الرأى، أن قضية «نازا» أصبحت أكثر حضوراً فى النقاش العام من بعض الملفات السياسية الأخرى، موضحة أن عدم تمكن الجمهور الإسرائيلى من مشاهدة الفيلم، يمنح اليمين فرصة لتقديم روايته الخاصة عنه، وتحويله إلى أداة انتخابية مؤثرة، يصعب على الناخبين تقييمها بصورة مباشرة. ويأتى ذلك فى ظل تراجع مساحة الأصوات المعارضة والمنتقدة داخل إسرائيل، منذ هجمات 7 أكتوبر 2023، وتصاعد الجدل بشأن حدود حرية التعبير والإعلام خلال الحرب. كما تتزامن الأزمة مع اقتراب الانتخابات المقررة فى أكتوبر المقبل، والتى دفعت أحزاب اليمين، وفق «الجارديان»، إلى تبنى خطاب أكثر تشدداً فى ظل الائتلاف اليمينى المتطرف، الذى يقوده «نتنياهو».

فى المقابل، تعرضت حملة رئيس حكومة الاحتلال وحلفائه لانتقادات من داخل إسرائيل نفسها. ووصف الكاتب فى «يديعوت أحرونوت»، نحوم برنياع، الدعوات إلى سحب جنسية المخرجين، بأنها «واهمة»، بينما رأى يعقوب كاتس، رئيس التحرير السابق لصحيفة «جيروزاليم بوست»، أن مثل هذه الخطوة لن تعزز صورة إسرائيل، بل ستعطى انطباعاً بأنها تخشى النقد، وتحاول إخفاء ما يحدث. أما إيتان نيشين، من «هآرتس»، الذى شاهد الفيلم فى عرض صحفى بنيويورك، فاعتبر رد الفعل عليه مؤشراً إلى أزمة أعمق فى الحياة السياسية الإسرائيلية، قائلاً إن الدولة الديمقراطية السليمة كان يفترض أن تعرض الفيلم، وتناقش ما يورده من اتهامات، وأن تفتح تحقيقاً بشأنها، بدلاً من أن ينتهى الأمر، بعد عرضه فى «فينيسيا»، إلى دفع مخرجيه نحو ما وصفه بـ«المنفى».

من الإشادة إلى تهديدات بالقتل.. «نازا» يشعل معركة سياسية فى إسرائيل – الوطن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button