الحوار السياسي يراوح مكانه.. مأمورية الرئيس تظلّ العقدة الرئيسية بين الفرقاء

لا يزال الحوار السياسي يواجه صعوبات في استئناف مساره، فيما تواصل قضية المأمورية الرئاسية تشكيل محور الخلاف الرئيسي بين الأغلبية والمعارضة.
وفي مارس 2026، أعلن منسق الحوار السياسي موسى فال تعليق الجلسات التحضيرية للحوار، بهدف إتاحة الفرصة أمام مختلف الأطراف لتجاوز خلافاتها. وجاء هذا القرار في أجواء مشحونة بالتوتر، بسبب الخلاف العميق حول إمكانية مناقشة المقتضيات الدستورية المتعلقة بالمأمورية الرئاسية.
ففي حين يعتبر بعض الفاعلين السياسيين أن هذا الملف غير قابل للنقاش، ترفض المعارضة حتى إدراجه ضمن جدول الأعمال، معتبرة أن الدستور واضح وصريح في هذا الشأن، إذ يحدد المأمورية الرئاسية بخمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة فقط.
وأمام هذا الانسداد، أجرى وزير الداخلية واللامركزية والتنمية المحلية، محمد أحمد ولد محمد الأمين، خلال أبريل 2026 سلسلة من المشاورات مع قادة الأحزاب السياسية، في محاولة لإعادة إطلاق التحضيرات للحوار الوطني التي توقفت قبل أسابيع.
وبحسب عدة مصادر، سعى الوزير إلى طمأنة محاوريه بشأن رغبة رئيس الجمهورية في استئناف الحوار، مؤكداً لهم أن مسألة مراجعة النصوص المتعلقة بالمأمورية الرئاسية، والتي كانت سبباً في انسحاب المعارضة، ليست مطروحة على جدول الأعمال. وقد فُسّر هذا الموقف على أنه رسالة تهدف إلى وضع حد للتكهنات التي تتحدث عن نوايا لتعديل الدستور.
وفي السياق ذاته، جددت اللجنة الدائمة لحزب الإنصاف الحاكم، خلال مايو 2026، تمسكها بخيار الحوار الوطني الذي يدعو إليه الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني. وجاء ذلك خلال اجتماع ترأسه محمد ولد بلال، حيث أعادت قيادة الحزب تأكيد دعمها لهذه المقاربة بعد أكثر من شهر على تعليق الاجتماعات التحضيرية.
ومؤخراً، عاد المكتب السياسي لحزب الإنصاف، خلال دورته العادية الثانية، ليؤكد مجدداً ضرورة مواصلة الحوار الوطني. وقد انعقد الاجتماع في أعقاب مهرجان جماهيري كبير نظمته المعارضة، تمكنت خلاله أقطابها الثلاثة الرئيسية من حشد أعداد كبيرة من المواطنين حول القضايا المرتبطة بغلاء المعيشة.
ورغم تعدد المبادرات الرامية إلى إعادة الحوار إلى سكته، ما يزال منسق الحوار الوطني موسى فال يواجه صعوبة في تقريب وجهات النظر بين مختلف الفاعلين السياسيين. وتبقى العلاقة بين الأغلبية والمعارضة متأثرة بحالة من انعدام الثقة، تغذيها التصريحات المتناقضة وغياب التوافق حول جدول أعمال الحوار.
وفي هذا الإطار، كثف موسى فال لقاءاته مع قادة الأقطاب المشاركة في العملية، حيث التقى إبراهيم ولد البيه رئيس قطب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية، ومحمد ولد مولود رئيس قطب ائتلاف المعارضة الديمقراطية، وحمادي ولد سيدي المختار رئيس قطب مؤسسة المعارضة الديمقراطية، إضافة إلى محمد ولد بلال رئيس قطب الأغلبية.
غير أن هذه المشاورات المكثفة لم تسفر حتى الآن عن أي اختراق يذكر، إذ ما تزال الأطراف متمسكة بمواقفها المتباينة بشأن ملف المأمورية الرئاسية. فالأغلبية والمعارضة تواصلان الدفاع عن رؤيتين متعارضتين تجعل أي تسوية أمراً بالغ الصعوبة.
وأمام هذا الواقع، اختار موسى فال مواصلة جهوده التوفيقية، محدداً موعداً جديداً مع مختلف الأطراف الأسبوع المقبل، أملاً في أن يساهم عامل الوقت في تقريب وجهات النظر.
ويتجاوز هذا التجاذب السياسي مجرد الخلاف حول المأمورية الرئاسية، إذ يكشف عن حجم الطموحات والحسابات السياسية لكل طرف مع اقتراب الاستحقاقات المقبلة. ويبدو أن الجدل حول جدول أعمال الحوار يعكس في جوهره صراعاً أوسع لتحديد موازين القوى التي ستطبع المشهد السياسي الوطني خلال السنوات القادمة.
ج.د